على أبواب المجلس الوطني

الخميس :2018-04-19 14:00:54
على أبواب المجلس الوطني
د. عبد المجيد سويلم

يحلو للبعض أن يعتبر المأزق القائم في الحالة الفلسطينية أزمة على أعلى درجات التفاقم. من الناحية النظرية لا يمكن الأخذ بهذا التوصيف، ولا الاعتداد بمصطلح كهذا لأن الأزمة هي أولاً وقبل كل شيء الأزمة في الفكر والأيديولوجيا.

ثم إن الانسداد في الأفق التاريخي هو الذي يعطي لهذه الأزمة بعدها العملي، أما ما دون ذلك فهو مأزق، قد يكون على أعلى درجات التعقيد والصعوبة ولكنه ليس الأزمة بكل تأكيد.

وهو بهذا المعنى انتقالي ومؤقت بالقدر الذي تسير فيه العمليات الاجتماعية وتتطور في التمكن من كسر حلقاته، وفي تحييد أخرى وتجنب الآثار المباشرة لحلقات ثالثة.

يُقال إن المجلس الوطني الذي سيعقد ـ ما لم تحدث مفاجآت في اللحظات الأخيرة ـ مع نهاية الشهر الجاري، سيقوم بمراجعة مرحلة أوسلو بكاملها وحتى تاريخه.

ويحلو للبعض أن «يُشبع» أوسلو شتماً حتى يعتبر أن المراجعة قد تمت، أو لنقل أن مراجعة من هذا النوع لا بد وأن تبدأ بأن ينهال «الكل» الوطني على هذا (الأوسلو) بالضرب المبرح.

لم يُنظر في الواقع جيداً ولم تشخص لحظة أوسلو جيداً لأن الفكر السياسي الفلسطيني «اعتاد» إن لم نقل أدمن التعامل مع الوقائع السياسية بالمطلقات السياسية، وليس بما يحيط بتلك الوقائع من شروط تاريخية ومحددات واقعية.

الحقيقة أن أوسلو قد جاءت بعد انهيار السوفيات، والحقيقة أن هذا الانهيار قد كسر ظهر الشعب الفلسطيني، لأن الظهير السوفياتي كان إلى تاريخه الحاضنةَ الدولية للقضية، ولولا هذا الظهير لما أمكن للمنظمة أن تكون لاعباً فاعلاً وهاماً على الصعيد الدولي.

والحقيقة الأخرى هي أن «أوسلو» قد جاءت بعد هزيمة «العرب» في ضوء نتائج «حرب الخليج الثانية» وسقوط الدولة العراقية وإنشاء «تحالف» هزيل بين عروبة هزمت وبين غرب دمر العراق وانتصر عليهم وقدم لهم «هدية» انعقاد «مؤتمر مدريد».

أي أن أوسلو الذي أعقب محطة مدريد هو نتائج هزيمة بكل ما في هذه الكلمة من معنى.

وإذا ما أضيف إلى كل ذلك حقيقة أن الانتفاضة الوطنية الكبرى 1987، كانت قد انتهت عملياً أو شارفت على ذلك، بعد أن تحولت عن طابعها الشعبي المباشر، وبدأت بعض المظاهر العسكرية بالتسلل إلى هذا الطابع، وبغض النظر عن أسباب كل ذلك، وإذا ما أضيف إلى ذلك كله الموقف التونسي الذي اعتبر استضافة المنظمة بمثابة اكثر من كافية بالرجوع الى الموقف العربي آنذاك والذي بدأ فعلياً بمشروع «استبعاد» المنظمة وحصارها وتجاهل دورها بما في ذلك الدور التمثيلي .. فإننا نستطيع أن نفهم الشروط التاريخية التي جعلت المنظمة تقدم على أوسلو. في ذلك الوقت رأت المنظمة أنها فقدت في الواقع ظهيرها الدولي، وكذلك العربي المؤازر لمكانتها ودورها وفعلها الكفاحي، وكادت تفقد ظهيرها الشعبي عندما برز دور حركة حماس كدور موازٍ على طريق أن يكون بديلاً عنها.

يقول البعض إن كل ما قامت به المنظمة في الواقع آنذاك أنها عملت على إنقاذ القيادة الفلسطينية وليس إنقاذ القضية الوطنية. هذا صحيح من ناحية ولكن الصحيح من ناحية أخرى أن إنقاذ هذه القيادة كدور ومكانة وحرية حركة كان ينطوي في الواقع على الكثير من عناصر الإنقاذ الوطني على الرغم من المساوئ التي انطوى عليها أوسلو.

أما الحقيقة التي ترتبت على القضية ـ قضية أوسلو ـ فهي أن هناك خلطً ما بين ما تم توضيحه أعلاه وما بين الآراء الفلسطينية في أعقاب التوقيع على «أوسلو» وهنا يعتبر هذا الخلط إن كان متعمداً موقفاً انتهازياً، وهو ينمّ عن جهل سياسي إن كان غير متعمد ومجرد سطحية سياسية.

المهم أن أوسلو قد وضعت أوزارها بفعل ما قامت به إسرائيل من تخريب منهجي له ولكل ما ترتب عليه والإبقاء على بعض الهياكل والبنود التي تخدم تحولات الموقف الإسرائيلي نحو تجريد السلطة من أي سلطة وحشر مهماتها في المجالات البلدياتية المقلصة، والإبقاء على كل القيود التي كانت وما زالت تكبل صلاحيات هذه السلطة.

في الواقع لا يجب أن تكون المراجعة معزولة عن الشروط التاريخية التي حددت مسار أوسلو ولا يجب أن تكون معزولة عن المسار التاريخي الذي لحق هذه الاتفاقيات في الواقع العملي.

تحولت إسرائيل جذرياً خلال العقدين الماضيين وأصبح اليمين فيها جديداً بكل معنى الكلمة، وتحول في الواقع الى يمين قومي ديني عنصري سافر معادٍ ليس فقط للحقوق الوطنية وإنما للوجود الفلسطيني نفسه، وهو يجاهر ويتفاخر بأنه أعاد كل «أرض إسرائيل» لسيادة الدولة الإسرائيلية أو السيطرة عليها والتحكم بها، وتحول برنامجه الحقيقي إلى الجوهر الاستيطاني بكل ما يترتب على ذلك من مصادرة أراض وهدم بيوت، وتشريد وإفقار وسيطرة تامة على موارد الفلسطينيين، والسطو على تاريخهم وذاكرتهم وتراثهم وإلى تبديد كيانهم وتشتيت هويتهم الوطنية.

وبالاستعانة باليمين الأميركي المتصهين وضع تصفية القضية الوطنية والحقوق الفلسطينية على جدول الأعمال، مستثمراً في حالة الدمار القائم في الإقليم، بعد أن امتطى الإعلام السياسي بكل أصنافه التكفيرية والإرهابية والسلفية المغلقة صهوة جواد «الربيع العربي» لكي يعيد بناء الدولة والمجتمع في هذا الإقليم على أسس مذهبية ودينية وعرقية وطائفية، بما يتيح لإسرائيل الفرصة التاريخية بيهودية الدولة الإسرائيلية ويوفر لها العيش في محيط متجانس على شاكلتها، وحيث تلعب هي الدور الريادي في هذا الواقع.

ولعلّ أهم تجليات هذا الواقع هو حالة الانقسام التي أعقبت انقلاب حركة حماس على الشرعية الوطنية ومحاولتها تحويل قطاع غزة إلى عزبة سياسية للإخوان المسلمين على حساب وحدة الوطن والشعب ووحدة القضية الوطنية الفلسطينية.

المراجعة ضرورية لكل ذلك، وليس مهماً إذا أخذنا قراراً بإلغاء «أوسلو» وإنما المهم فعلاً أن نقوم بمراجعة جادة لكامل هذه المسيرة، وأن نمكن شعبنا الخروج من هذا المأزق وهو ما سنتناوله في الأسبوع القادم.

إسرائيل ألغت أوسلو عملياً ونحن نستطيع ذلك، أيضاً، لكن من دون إعلان ومن دون تحمل تبعات الإعلان والطريق إلى المراجعة والحلول العملية هو إلغاء وأكثر من إلغاء دون ضجيج ودون شعارات ودون مصطلحات عنترية.

الوحدة الفلسطينية ممكنة إذا راجع الجميع مواقفه، أما إذا بقيت واقتصرت المراجعة على جهة بعينها فإن الوحدة ستظل متعثّرة، لأن ما نحن فيه من مأزق ليس نتاج أوسلو فقط وإنما نتائج تحولات هائلة في العالم والمحيط وفي الواقع الداخلي.


أخبار متعلقة


تابعنا على
تعليقات Facebook

شارك برأيك
جهود مصر بين حركتي فتح وحماس لإتمام المصالحة ستفضي إلي ؟
  • تمكين حكومة رامي الحمدالله من بسط سيطرتها علي قطاع غزة
  • المصالحة ستتعطل مرة أخري ولن تتمكن الحكومة من إدارة قطاع غزة
  • لا أعرف
النتائج إنتهى التصويت